العيني
73
عمدة القاري
الوجودية ، ومحمود نقل سنة مقصودة في كون النبي ، عليه الصلاة والسلام ، مج مجة في وجهه لإفادته البركة ، بل في مجرد رؤيته إياه فائدة شرعية يثبت بها كونه صحابياً . وأما قصة ابن الزبير فليس فيها نقل سنة من السنن النبوية حتى يدخل في هذا الباب . وقال الزركشي في ( تنقيحه ) : ويحتاج المهلب إلى ثبوت أن قضية ابن الزبير صحيحة على شرط البخاري . قلت : هذا غفلة منه ، فإن قضية ابن الزبير المذكورة أخرجها البخاري في مناقب الزبير في ( الصحيح ) ، والجواب ما ذكرناه . والله أعلم . 19 ( ( بابُ الخُرُوجِ في طَلَبِ العِلْمِ ) ) أي : هذا باب في بيان الخروج لأجل طلب العلم ، وأطلق الخروج ليشمل سفر البحر والبر . وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول إقبال ابن عباس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة ، ودخوله فيها معه ، ثم إخباره ذلك كله لمن روى عنه الحديث . وفي ذلك كله معنى طلب العلم ، ومعنى الخروج في طلبه ، ومع هذا كان ذكر هذا الباب عقيب باب ما ذكره في ذهاب موسى إلى الخضر في البحر أنسب وأليق على ما لا يخفى . ورَحَلَ جابِرُ بنُ عَبدِ اللَّهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ إِلى عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُنَيْسٍ في حَدِيثٍ واحِدٍ . الكلام فيه على أنواع . الأول : أنه أراد بذكر هذا الأثر المعلق التنبيه على فضيلة السفر والرحلة في طلب العلم براً وبحراً . الثاني : أن جابر بن عبد اللَّه هو الأنصاري الصحابي المشهور ، وعبد اللَّه بن أنيس ، بضم الهمزة ، مصغر أنس ابن مسعد الجهني ، بضم الجيم وفتح الحاء ، حليف الأنصار ، شهد العقبة مع السبعين من الأنصار ، وشهد أحداً وما بعدها من المشاهد ، وبعثه رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وحده سرية . واختلف في شهوده بدراً . له خمسة وعشرون حديثاً ، روى له مسلم حديثاً واحداً في ليلة القدر ، وروى له الأربعة . ولم يذكره الكلاباذي وغيره فيمن روى له البخاري ، وقد ذكر البخاري في كتاب ( الرد على الجهمية ) : ويذكر عن جابر بن عبد اللَّه عن عبد اللَّه بن أنيس ، فذكره . توفي بالشام سنة أربع وخمسين في خلافة معاوية ، رضي الله عنه ، وفي ( سنن أبي داود ) والترمذي : عن عبد اللَّه بن أنيس الأنصاري ، عنه ابنه عيسى ، ولعله الأول . وفي الصحابة ، أو أنيس عبد اللَّه بن أنيس ، أو أنيس . قيل : هو الذي رمى ماعزاً لما رجموه فقتله ، وعبد اللَّه بن أنيس قتل يوم اليمامة ، وعبد اللَّه بن أنيس العامري له وفادة ، ومن رواية يعلى بن الأشدق وعبد اللَّه بن أبي أنيسة ، قال الوليد بن مسلم : ثنا داود بن عبد الرحمن المكي عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل عن جابر سمعت حديثاً في القصاص لم يبق أحد يحفظه إلاَّ رجل بمصر يقال له ، عبد اللَّه بن أبي أنيسة . الثالث : قوله : ( في حديث واحد ) أي لأجل حديث واحد ، وكلمة : في ، تجيء للتعليل كما في قوله تعالى : * ( فذلكن الذي لمتنني فيه ) * ( يوسف : 32 ) وقوله : : * ( لمسكم فيما أفضتم ) * ( النور : 14 ) وفي الحديث : ( أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها ) . الرابع : قال ابن بطال : أراد بقوله : ( في حديث واحد ) ، حديث الستر على المسلم ، قيل : فيه نظر ، لأنه يقال : إن أبا أيوب خالد بن زيدٍ الأنصاري ، رحل إلى عقبة بن عامر ، أخرجه الحاكم : حدثنا علي بن حماد ، حدثنا بشر بن موسى ، حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان عن ابن جريج عن أبي سعيد الأعمى عن عطاء بن أبي رباح قال : خرج أبو أيوب إلى عقبة بن عامر يسأله عن حديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لم يبق أحد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم غيره وغير عقبة ، فلما قدم أبو أيوب منزل سلمة بن مخلد الأنصاري ، أمير مصر ، فأخبره ، فعجل عليه فخرج إليه فعانقه ، ثم قال : ما جاء بك يا أبا أيوب ؟ قال : حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق أحد سمعه من رسول الله ، عليه السلام ، غيري وغيرك في ستر المؤمن . قال عقبة : نعم ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : ( من ستر مؤمناً في الدنيا على عورة ستره الله يوم القيامة ) . فقال له أبو أيوب : صدقت ، ثم انصرف أبو أيوب إلى راحلته ، فركبها راجعاً إلى المدينة . وفي ( مسند عبد اللَّه بن وهب ) ، صاحب مالك : أنبأنا عبد الجبار بن عمر ، حدثنا مسلم بن أبي حرة عن رجل من الأنصار عن رجل من أهل قبا أنه قدم مصر على مسلمة بن مخلد ، فقال : أرسل معي إلى فلان ، رجل من الصحابة ، قال : حسبت أنه قال : سرق ، قال : فذهب إليه في قريته ، فقال : هل تذكر مجلساً كنت أنا وأنت فيه مع النبي صلى الله عليه وسلم ليس أحد معنا ؟ قال : نعم . قال : كيف سمعته يقول ؟ فقال : سمعته يقول : ( من أطلع من أخيه على عورة ثم سترها ، جعلها الله له يوم القيامة